ابن كثير
180
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ناسا منهم فضحهم ، فجاء عمر وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم حياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا ، واختبئوا هم من عمر ظنوا أنه قد علم بأمرهم ، فجاء عمر فدخل المسجد فإذا الناس لم يصلوا ، فقال له رجل من المسلمين : أبشر يا عمر قد فضح اللّه المنافقين اليوم ، قال ابن عباس : فهذا العذاب الأول حين أخرجهم من المسجد ، والعذاب الثاني عذاب القبر « 1 » ، وكذا قال الثوري عن السدي عن أبي مالك نحو هذا . وقال مجاهد في قوله سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ يعني القتل والسبي ، وقال في رواية بالجوع وعذاب القبر ، ثم يردون إلى عذاب عظيم « 2 » ، وقال ابن جريج عذاب الدنيا وعذاب القبر ثم يردون إلى عذاب عظيم النار « 3 » ، وقال الحسن البصري : عذاب في الدنيا وعذاب في القبر « 4 » ، وقال عبد الرحمن بن زيد : أما عذاب في الدنيا فالأموال والأولاد ، وقرأ قوله تعالى فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فهذه المصائب لهم عذاب وهي للمؤمنين أجر ، وعذاب في الآخرة في النار ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ قال النار « 5 » ، وقال محمد بن إسحاق سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ قال : هو فيما بلغني ما هم فيه من أمر الإسلام وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حسبة ، ثم عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ، ثم العذاب العظيم الذي يردون إليه عذاب الآخرة والخلد فيه « 6 » ، وقال سعيد عن قتادة في قوله : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ عذاب الدنيا وعذاب القبر ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ وذكر لنا أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسر إلى حذيفة باثني عشر رجلا من المنافقين ، فقال ستة منهم تكفيهم الدبيلة سراج من نار جهنم يأخذ في كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره ، وستة يموتون موتا ، وذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كان إذا مات رجل ممن يرى أنه منهم ، نظر إلى حذيفة فإن صلى عليه وإلا تركه ، وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة أنشدك اللّه أمنهم أنا ؟ قال لا ولا أومن منها أحدا بعدك . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 102 ] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) لما بيّن تعالى حال المنافقين المتخلفين عن الغزاة رغبة عنها وتكذيبا وشكا ، شرع في بيان حال المذنبين الذين تأخروا عن الجهاد كسلا وميلا إلى الراحة مع إيمانهم وتصديقهم بالحق ، فقال وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ أي أقروا بها واعترفوا فيما بينهم وبين ربهم ، ولهم أعمال
--> ( 1 ) تفسير الطبري 6 / 457 . ( 2 ) تفسير الطبري 6 / 457 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 458 . ( 4 ) تفسير الطبري 6 / 458 . ( 5 ) تفسير الطبري 6 / 458 . ( 6 ) تفسير الطبري 6 / 458 .